14‏/3‏/2014

Mécheria.....


Mécheria , mon nid 
Passionné en continu, je trace mon chemin.
Dans la nuit Mécherienne imprégnée de mystères.
Un torrent violent de poèmes sélénites.
Caresse mon clavier où gambadent mes mains.

Sensible à l’ennui que jettent les humains.
Sur la rive obscurcie de sournoises chimères,
Je me laisse entraîner par les mots enchanteurs
Que chantent mon espoir aux radieux lendemains.

Tandis que le silence envahit le mont protecteur,
Qui rit de nos petites et grandes erreurs
Je construis en solo mon jardin enchanté.
Où je sème un tapis de mots étincelants.

Mes tristes poèmes versent dans mon esprit
Une gerbe d’images bariolées et enivrantes
Dans l’attente que demain biffera le triste matin gris.
AHMED/SAHI
© 10/12/2013

19‏/2‏/2014

العين الصفراء : في ذكرى مولد الكاتبة والرحّالة والفارسة إيزابيل إيبرهاردت


الكتابة والترحال كأسلوب لإدانة الاستعمار
إيزابيل إيبرهاردت، كاتبة ورحالة مغامرة وصحافية أوروبية اختارت العيش في الجزائر وتحديدا في مدينة "عين الصفراء" جنوب غرب الجزائر، عاشت بالجزائر في العهد الاستعماري، وسخرت قلمها وحياتها القصيرة للكتابة والدفاع عن الأهالي وحياتهم. ناضلت بكتاباتها لصالح الجزائر والجزائريين، وفضحت بمقالاتها ونصوصها الأدبية الممارسات الفرنسية الاستعمارية. المرأة الجميلة والكاتبة الجريئة (من أصول روسية)، ولدت بجنيف السويسرية في 17 فبراير عام 1877، ورحلت في الـ21 أكتوبر من العام 1904، حيث اختارها فيضان وادي عين الصفراء عروسا لخريف لم يكن في الحسبان.كراس الثقافة يحتفي في عدده اليوم بـ "فارسة الصحراء الجزائرية"، الكاتبة الرحالة إيزابيل إيبرهاردت وبآثارها الكثيرة، في ذكرى ميلادها التي تزامنت مع يوم أمس الاثنين 17 فبراير، وهذا مع بعض الكُتاب الذين تناولوا سيرتها وأدبها وإبداعاتها.
إستطلاع/ نوّارة لحـرش
سعيد خطيبي/ شاعر ومترجم
ﺃحفاد ﺇيزابيل
الحديث عن ﺇيزابيل ﺇيبرهاردت، والاحتفاء بذكراها، لن يعجب الكثيرين. سيرة صاحبة «في بلاد الرمال» تتحمّل، منذ حوالي نصف قرن، سيلا من الشائعات، ومن محاولات إدراجها في خانة «النسيان». ﺇيبرهاردت التي اشتهرت، نهاية القرن التاسع، بمقالاتها الصحافية عن حياة الأهالي، ثم موتها التراجيدي بوادي عين الصفراء، ونجاح كُتبها – صدرت بعد وفاتها (1904) – والتي وصلت ﺇلى غاية الولايات المتحدة الأميركية واليابان، وانتشارها وتهافت القراء عليها، واعتبارها ﺃهم كاتبة جزائرية في الفترة ما بين الحربين العالميتين، تحولت، فجأة، مع ميلاد الجزائر المستقلة (1962)، ﺇلى «كاتبة فلكلور لا ﺃكثر» – بحسب تعبير بعض مسؤولي الثقافة الرسمية، و«كاتبة في خدمة الكولونيالية» بحسب بعض ﺁخر. هكذا، صارت ﺇيبرهاردت، شيئا فشيئا، كاتبة معروفة، وغير معروفة في ﺁن، كاتبة بجيش من القراء والدراسيين في الخارج (خصوصا في أوربا)، وكتيبة من المتنكرين لها في الداخل. ﺃشكال التعامل مع كتابات ﺇيبرهاردت ورفضها، تحيلنا ﺇلى التساؤل مرة ﺃخرى: «متى يخرج الأدب الجزائري من مستنقع الإيديولوجيا؟» ومتى يُنظر ﺇلى الكاتب ككاتب وكفى، دونما تجريح ﺃو تسييس للنص؟ ما حدث مع صاحبة «حب بدوي» حدث ﺃيضا مع كُتاب ﺁخرين مهمين، مثل جان موهوب عمروش وﺇليسا رايس. «الإقصاء» هي سياسة تنتهجها الجهات الرسمية وفق رؤى وﺃحكام تقديرية، غير موضوعية، فقراءة ﺃعمال ﺇيبرهاردت اليوم تضعنا في مواجهة حساسية جزائرية خالصة، نصوصها كلها ولدت من تجارب معيشة، من عمق جزائر نهاية القرن التاسع عشر، كما أن الكاتبة اختارت لنفسها اسما جزائريا واعتنقت الإسلام وتزوجت جزائريا. كتابات ﺇيبرهاردت لم تخلُ من السخرية، النقد، مع خيبة ﺃمل ﺃحيانا، وكثير من الحب، لزوجها سليمان، وللأرض التي تبنتها. فقد جسدت نموذجا للهوية المختلطة، وللقدرة على الانصهار في مجتمع الأهالي بتعدده وإشكالياته، ورحلت تاركة خلفها ﺃجيالا من القُراء، ومن الكُتّاب، في الجزائر خصوصا، يعيدون، باستمرار، عن وعي، وعن غير وعي، استنساخ تجربتها، تقمص ﺃدوارها، والسير تحت ظلها.
محمد الأمين سعيدي/ شاعر
اعتنقتْ المغامرة للبحث عن مطلقٍ ما وللتنقيب عن معناها الوجوديّ
تعبّر إيزابيل إبيرهارت عن شخصية إشكاليَّة على مستوياتٍ عديدة، ابتداءً بأصولها والاختلاف في نسبتها إلى شجرة سلالة واحدة، وإلى أبٍ معروف، وصولا إلى حياتها التي التحفتْ بالرحلة والمغامرة، ومظهرها الذي تجلَّى بزي الرجولة، وتفكيراتها المختلفة المبثوثة في كتاباتها. وتنضاف إلى هذا، الاختلافاتُ حولَ دورها الحقيقي في جزائر الاستعمار، وهذا ليس موضوعنا الآن، والفصل فيه ليس مهمًّا كثيرا أمام أعمالها وخصوصيتها الفكرية والإبداعية.  إنَّ أهمية إيزابيل تكمنُ في أنها تمثّل من خلال حياتها وكتاباتها شكلا من أشكالِ رؤية الآخر إلى الذات الجزائرية، في زمن تعدّدتْ فيه محاولاتُ نفيِ هذه الذات خارجَ هويتها، وبعيدا عن إنسانيتها في ظلِّ رؤية استعمارية تنظر إلى الجزائري على أنّه إنسان أدنى مقارنة بالفرنسيين. لذا يمكنُ القولُ بأنّ الدورَ المهم الذي لعبتْه إيزابيل، هو أنها تركتْ في كتاباتها ما يمكن أنْ يكون بمثابة المرايا التي تعكس أمام الباحث ملامح تلك الحقبة والأوضاع التي عاشها الجزائريون آنذاكَ من جهة، وتكشف الغطاء عن رؤية الآخر، ممثلا في إيزابيل، إلى إنسان الجزائر الغارق تحت سياط آلة إجرام سلبتْ منه حرية إرادته، ونفتْه عن تاريخه وجذورِه الحضارية.
إنّ إيزابيل، وهي الرحالة الشابة، اعتنقتْ المغامرة للبحث عن مطلقٍ ما، وللتنقيب عن معناها الوجوديّ الذي يمنحها انتماءها الحقيقي، فلعلها كانتْ من أولئك الغربيين الذين اعتنقوا "المواطنة العالمية"، وانفتحوا على غيرهم من البشر مؤمنين بتغاير الانتماءات وتعدد الكائن البشريّ. ولعلّها، وهي تستقر بالجنوب الجزائري، أخيرا بالعين الصفراء، تكون قد وجدتْ لرحلتها المحيّرة وطنا يشبه أعماقها، ويمنح لقلقها المتوثّب أفقا واسعا وبعض الراحة والسكينة، وربّما تكون قد نزعتْ عنها لباس الآخر القادم من وراء البحار الباردة، وانتمتْ إلى دفء الإنسان هنا، لتصبح وجها من وجوه هذه الذات المتنوّعة، وترقدَ بسلام على مرأى من رمال العين الصفراء البهية.
بوداود عميّر/ قاص ومترجم
عثرت في الجزائر على ضالتها المفقودة وعاشت مدافعة عن شعبها الذي أحبته
عقب انتقالها من جنيف وحلولها بالأراضي الجزائرية كانت "إيزابيل إيبرهارد" (1877-1904) الكاتبة والصحفية الروسية الأصل تبحث عن آفاق بديلة، بعيدا عن الأجواء الارستقراطية الرتيبة التي عاشت في كنفها بسويسرا، كانت تبحث عن عوالم أخرى تتجسد فيها السكينة الروحية والآفاق الرحبة، عبرت عنه قائلة: "سأحقق مشروعا جريئا وهو أن أرحل إلى الصحراء وأبحث عن السلام وعن المغامرة في آن معا، تلك أشياء تتلاءم وغرابة طبعي... أنا التي لم يسعها أبدا العيش الرغيد داخل المدنية الأوروبية..."، وسرعان ما عثرت في الجزائر على ضالتها المفقودة، أين وجدت في الصحراء الشاسعة موطنها المغيـّب وفي الإسلام هويتها الضائعة، كانت تنتقل من بقعة إلى أخرى ومن مكان لآخر على متن فرس، متنكرة في زيّ فارس عربي، لتجوب الصحراء الجزائرية من أقصاها إلى أقصاها انطلاقا من الوادي في الشرق الجزائري إلى القنادسة في الجنوب الغربي ليستقر بها المقام بمدينة العين الصفراء حيث لقيت مصرعها إثر فيضان واديها ذات يوم من أيام شهر أكتوبر سنة 1904.  اختصرت إيزابيل إيبرهارد مسار حياتها في موقف فلسفي وإنساني واضح المعالم، ارتأت أنه يتناسب مع طموحها في البحث عن الطمأنينة النفسية والروحية، حتى وهي تدرك جليا مخاطر الاختيار ومشقة الانتقال نحو واقع مغاير تماما: "لم أكن مهيأة أبدا - تقول- لأن أدور في لعبة الخيول الخشبية، بكمامات حريرية للعيون، لم أضع مثالا لحياتي بل مضيت طلبا للاكتشاف، أعرف جيدا أن طريقة الحياة هذه محفوفة بالمخاطر، غير أن لحظة الخطر هي عينها لحظة الرجاء...".
هالها ما أصبح يعيشه الجزائريون -على غير ما كانت تتوقع أو ما أوحي إليها- من أوضاع متردية ومن حيف وظلم مارسه الاستعمار في حقهم، حيث  صادر الأراضي الفلاحية وسلمها للمعمرين بأبخس الأثمان تاركا السكان دون رعاية صحية عرضة للأوبئة والأمراض وقد سلطت على رقابهم إدارة استعمارية لا ترحم، سكان لم يعد بوسعهم ممارسة سوى التسول أو اللجوء إلى المهن الحقيرة لسد رمق عائلاتهم. عقدت "إيزابيل إبرهارت" العزم على حمل قلمها مدافعة عن هذا الشعب الذي أحبته من أول احتكاك، رغم السياقات التاريخية التي لم تكن محفزة جميعها نحو هذا الاتجاه، حيث تعرّضت لمضايقات شديدة من الإدارة الاستعمارية وصلت إلى حد طردها من الجزائر تحت ذرائع واهية، وحتى السياق الأدبي والفكري لم يكن يساعد في رواج هذا النوع من الكتابات الملتزمة التي ترافع عن المستضعفين وتدين ممارسات الاستعمار، فقد كانت الكتابات الأدبية في أواخر القرن الثامن عشر من طرف الأدباء الفرنسيين المقيمين في الجزائر أو القادمين إليها كتابات وصفية، إيكزوتيكية في الغالب لا تتناول في مواضيعها معاناة شعب يتوق إلى العدالة والحرية ولكنها تتطرق بشكل ممنهج إلى استعراض بعض العادات والتقاليد والممارسات المتخلفة للسكان البدو، أملاها الواقع الاجتماعي المعيش آنذاك، مثل كتابات "دي موباسان" و"اندري جيد" وغيرهم... فليس غريبا أن تلتحق بجريدة "الأخبار" لصاحبها "فيكتور باريكون" كمراسلة صحفية بما يتميز به الخط الافتتاحي لهذه الصحيفة من موضوعية وصدق في معالجة قضايا الجزائريين خلافا للتوجهات العامة التي تميزت بها الصحف الفرنسية السائدة آنذاك. لقد كانت تصوغ مقالاتها الصحفية بأسلوب غير بعيد عن السرد بطريقة تعتمد على المراقبة العينية من جهة والمعرفة الوثائقية المقربة من جهة ثانية، من هنا جاء التميز في أعمالها القصصية باعتبارها الممر الفاصل بين التحقيق الصحفي والقصة التوثيقية. في البدء تحذّر إيزابيل إيبرهارد الأوروبيين عموما والقراء الفرنسيين خصوصا والذين يبدو أنهم تعوّدوا على نوع معيّن من الكتابات التي تنحو إلى الإيكزوتيكية وتجنح إلى الخيال، أن نصوصها وقصصها لا تمت بصلة إلى هذا الصنف من الكتابة وأنها تختلف كلية عن باقي كتاب تلك الفترة، تقول تقديما لإحدى قصصها: "في قصصي الواقعية لا يوجد أي شيء مما جرى التعوّد عليه من قصص عربية، واسعة الخيال، الحبكة والمغامرات، لا يوجد سوى البؤس يتساقط قطرة قطرة". ففي قصتها الموسومة "مجرم"، تصوّر معاناة الفلاحين الجزائريين الذين قررت الإدارة الاستعمارية مصادرة أراضيهم، حيث تصف وضعهم وهم يترقبون عن مضض منحهم بضعة قروش لتعويض أراضي أجدادهم المغتصبة ضمن هذا الانتظار القاسي الذي لا ينتهي، ذلك أنه تم استدعاؤهم ليوم الثلاثاء وها هم في يوم الجمعة دون أن يستلموا شيئا"... كانوا يعودون عند الغروب من حيث أتوا يغمرهم الحزن والإحباط، يتبادلون فيما بينهم بصوت خافت عبارات الخضوع، وأشعة الشمس الحارقة كانت تبرز خرقهم الممزقة وتوشي طريق آلامهم الطويل...". في مقابل هذا الوضع المزري الذي يُرثى له، كان الموظفون المكلفين بعملية الدفع بالإدارة الاستعمارية "يتناقشون ويتضاحكون، يتحدثون عن مغامراتهم النسائية وعن حفلات الشراب..."، وعندما كان يقترب أحد الفلاحين منهم للسؤال عن ثمن التعويض كانوا يجيبونه بإشارة من اليد عبارة ألفوا تكرارها لحد الابتذال: "اصبر... ليحني الفلاح رأسه ويجيب: لا حول ولا قوة إلا بالله ...". "عاشوري" هو واحد من الفلاحين الذين مسهم حيف المستعمرين، فقد سقط في الفاقة التامة بعد أن نفد المبلغ الممنوح له، مما اضطره إلى العمل أجيرًا لدى المعمّر المدعو "غايار" الذي يملك القسم الأكبر من الأراضي الفلاحية. وفي اليوم التالي اندلعت النيران بفعل فاعل في مخازن "غايار"، وكان أن تجمعت براهين عديدة ضد "عاشوري" الذي اقتيد للسجن بذريعة محاولة انتقامه من مصادرة ممتلكاته. لتختم إيزابيل قصتها المعنونة تهكما للأوضاع المقلوبة بـ"مجرم"، ملمحة إلى قدرة المستضعف على النهوض ذات انكسار: "المستعمر دفع الثمن للموظفين البعيدين في قصور الجزائر العاصمة والفلاح المحطم اعتدي عليه، لأن الجريمة تعني عند الضعفاء غالبا، الإشارة الأخيرة للحرية". أما في قصتها الموسومة "الرائد"، تتحدث في نقاش سياسي ساخن بين بطل قصتها "جاك" الأوروبي القادم من جبل الألب للعمل في الجزائر كطبيب، وبين النقيب "مالين" الضابط الصلب والفاتر الذي يتميز بخضوعه الأعمى إلى الأوامر القادمة من قادته. كان كل شيء في الجزائر يمثل اكتشافا جديدا له. الآراء المسبقة التي تجمّعت لجاك (بطل قصة "ياسمينة" يحمل نفس الاسم، ويتخذ نفس المواقف في البدء لكنه يتراجع في نهاية المطاف) حول هذا الشعب، دفعته في البداية إلى الحذر منهم، ولكن عندما أتيحت له أول فرصة للتعرف بهم والاحتكاك بينهم، اكتشف وجها آخر للسكان الأصليين فيه الكثير من الطيبة والتسامح، ومن ثمّ اختار الوقوف إلى جانبهم مدافعا عنهم أمام غطرسة النقيب "مالين" و"البيرو آراب" الجهاز الإداري الاستعماري.
خليفة بن عمارة/ كاتب وباحث
أول مراسلة حربية في العالم
كانت إيزابيل إيبرهارد تعمل لصالح جريدة "الأخبار" لصاحبها فيكتور باريكوند بالجزائر العاصمة، غادرت مدينة تنس وحصل زوجها سليمان هني على منصب آخر في الشرق الجزائري، كانت تشتغل في الجزائر العاصمة في صيف عام 1903م، عندما عادت الحرب فجأة إلى الواجهة في الجنوب الغربي الجزائري. في هذه الأثناء عيّن مدير جريدة الأخبار إيزابيل إيبرهارد كمراسلة صحفية لتغطية أحداث الجنوب الغربي (اعتبرتها الكاتبة الفرنسية ادموند شارل رو، أول امرأة مراسلة للحرب في العالم)، وسرعان ما بلغت وجهتها بعد يومين من ركوبها القطار: "اليوم - كتبت تقول - مع الاضطرابات في الجنوب، تبدو العين الصفراء مستيقظة، ثمة فِرق عسكرية عديدة، كثيرة الصخب، بين غدو ورواح، ترقب، أحيانا قلق، حركة شاذة تملأ أزقة الرمل، بالمطاعم والمقاهي الحافلة بالضجيج، تصطدم المتناقضات اللامتوقعة، العالمان المتجاوران، العالم الأوروبي والعالم العربي يلتقيان، يمتزجان دون أن يذوبا إطلاقا. إلى جانب هذا التنافر الذي لا يزول، جاء اللفيف الأجنبي ليضيف أيضا إشارات أخرى بعيدة، ورغم كل هذا الصخب وكل هؤلاء الناس، في ظل هذا الترقب وفي هذه الساعة المريبة، بدت العين الصفراء جميلة". توجهت إيزابيل مباشرة إلى المستشفى لمشاهدة الجرحى وجمع معلومات حول المعركة، حيث كتبت تقول: "جرحى المنڤار تاهوا في الظل، بضمادات من القماش الأبيض، كان هناك فرنسيان أو ثلاثة من بين هؤلاء الأجانب... الباقي من الألمان أو الايطاليين، كانوا فخورين باستجوابهم". أيام قليلة بعد ذلك، استقلت إيزابيل القطار لمشاهدة جرحى آخرين دخلوا المستشفى في الجنوب، لتلتحق على بعد 140 كلم حيث يتواجد المركز الأخير الذي تتوقف فيه السكة الحديدية: "وأخيرا - تقول إيزابيل إيبرهارد – ها هي بني ونيف، المحطة الصغيرة، مع الكآبة المؤثرة للسكة الحديدية التي تتوقف فجأة أمام شساعة الأفق".
أقامت إيزابيل طويلا ببني ونيف (جنوب غرب الجزائر على الحدود المغربية) أكثر من شهرين، خلال مدة تمتد من نهاية سبتمبر إلى بداية ديسمبر. تعتبر هذه البلدة آخر مركز عسكري يسمح دخوله للمدنيين، وفيها التقت ولأول مرة الجنرال ليوتي القائد الجديد للمقاطعة العسكرية بالعين الصفراء، كانت إيزابيل مراسلة لجريدة لاديباش ألجيريان والأخبار وكان هناك أيضا مراسلون آخرون لجرائد تصدر بالجزائر أو فرنسا، و كان هناك أيضا رسام كُلِف من طرف الإدارة الاستعمارية بانجاز تصاميم. تمثلت مشاريع الصحفيين في تزويد جرائدهم بالأخبار عن الوضعية العسكرية وكذلك وصف أوضاع الحياة المعيشية في الجنوب الجزائري والجنوب المغربي. ولقد تمكّنت هنا بالذات من تأليف معظم مقالات عملها "الجنوب الوهراني الجزء الأول"، ويتضمن أكثر من ثلاثين نصا، نُشر في جريدة الأخبار خلال السداسي الأول من سنة 1904م. وقد توجهت إيزابيل إلى مدينة فكيك المغربية كما أشارت إلى ذلك في نصّها المعنون "عند ابن عم بوعمامة"، كما أمضت الليل في زاوية البوبكريين، بطبيعة الحال لم يُسمح لها بالدخول إلى مكان أبعد في المغرب، الذي كان يعيش آنذاك في حالة حرب.
من أشهر الانجازات السياسية لليوتي هو الاجتماع في جانفي 1904م بقادة القبائل الرُحل الأساسية للمنطقة الحدودية (خاصة العمور وحميان) مع قادة القبائل المغربية المجاورة (بني ڤيل) من أجل تجسيد معاهدة سلام وحرية مرور للأشخاص والممتلكات. وقد بعث الجنرال ليوتي بدعوة إلى باريكوند مدير جريدة الأخبار مع إيزابيل إيبرهارد للمشاركة. وقد أشارت إيزابيل إلى هذا الحدث بإسهاب في مقال لها نشر في "لاديبيش الجيريان": "بأبّهة وبهيئة حقيقة جميلة، جاء ميعاد بني ڤيل اليوم لإنهاء خمسة أيام طويلة من المفاوضات مع الجنرال ليوتي، كانوا خمسة شيوخ والقائد الكبير عبد الرحمن، الذين أعلنوا هذا المساء أنهم وافقوا على الشروط التي وضعت لهم، بأن يقوموا أولا بإرجاع أراضي رعيهم القديمة، المشتركة مع أراضي حميان، وأن يبذلوا ما في وسعهم للإتيان بالمنشقين منهم وأخيرا بالتخلي حقيقة وبوضوح عن بوعمامة...". ثم انتقلت إيزابيل ومدير الجريدة بعد ذلك إلى غاية بني ونيف، حيث التحقا بمدينة فكيك المغربية أين أمضيا ليلة هناك، ليعودا بعد ذلك إلى الجزائر العاصمة.
محمد بوزرواطة/ قاص وإعلامي سابق
سحر المغامرة ولذة الاكتشاف
ربما لم يثر كاتب جدلا كبيرا ونقاشا حادا في الأوساط الأدبية كالذي أثارته الكاتبة الروسية الأصل إيزابيل إيبرهارد المولودة بجنيف عام 1877 من أم روسية تدعى تتالى مويردر ومن أب روسي مجهول الهوية، فحياتها مليئة بالغموض والالتباس إلى غاية وفاتها بشكل مأساوي إثر فيضان العين الصفراء يوم الواحد والعشرين أكتوبر 1904 عن عمر يناهز السابع والعشرين، أي في مقتبل العمر وزهرة الشباب. كذا كانت كتاباتها غاية في الجرأة والتحدي وهو ما جعلها مطية لذوي الأقلام المشبوهة للنيل من سمعتها والدس في سلوكها وحياتها، بعيدين عن الموضوعية وعن تحري الحقيقة لما يخص مسار هذه المرأة المغامرة المشاكسة. ولعل من الكُتاب الذين حاولوا ارتقاء سلم الشهرة ونيل الحظوة وتسليط الأضواء، يقف الكاتب والناشر "فيكتور باروكان" كأحد الأقلام المأجورة التي عملت على تشويه وتحريف شخصية إيزابيل إيبرهارد، بل وتحوير كِتابها الشهير "تحت الظلال الدافئة للإسلام" ونسبه إليه، على نحو يدعو للحيرة والشك دون أن يشكل له ذلك أدنى حرج أو محاسبة نفس أو تقريع ضمير. ومن الكتابات الرائدة والمتميزة التي أنصفت الكاتبة إيزابيل إيبرهارد، ما كتبته الكاتبة الفرنسية ادوموند شارل رو، حول مسيرة الكاتبة من الطفولة إلى الشباب عبر كتابين أسمتهما على التوالي: "بدوية كنت"، و"لذة الشرق"، وهما كتابان يلقيان الضوء وبشكل موضوعي يتحرى المنهجية الصارمة في تتبع مسار ومراحل هذه الكاتبة الفذة. ولعل ما يستدعي الانتباه في حياة الرحالة إيزابيل لذة المغامرة ومتعة الاكتشاف، وهما الصفتان اللتان ميزتا مسيرة هذه المرأة المغامرة والكاتبة الجريئة والصحفية الشجاعة، ولعل إيزابيل تبدّت لنا أحسن ما تكون وضوحا في اتخاذ الموقف والجهر بقول الحقيقة لما يخص الوضع المزري الذي كان يعيشه الأهالي الجزائريون تحت الهيمنة الاستعمارية البغيضة. فقد نددت إيزابيل إيبرهارد بالأساليب القمعية التي انتهجها الاستعمار الفرنسي في التنكيل بالجزائريين وطردهم من أراضيهم متشبثين بذلك على حقهم في العيش والحياة. إن حياة إيزابيل إيبرهارد وما اكتنفها من غموض ولفها من التباس وشكوك لتلقي للباحثين شهية اكتشاف هذه المرأة المغامرة في الكتابة والحياة وذلك ما دعا الكاتبان ماري أوديل ديلاكور وجان دينيه هيلي إلى القول بأن السر الأكبر في حياة إيزابيل إيبرهارد يكمن في هذا التناقض الصارخ في حياتها وعلاقاتها الملتبسة مع الآخرين. لقد أحبت إيزابيل إيبرهارد الصحراء وهامت عشقا بالرمال، كان يحذوها في ذلك الاكتشاف ومتعة التواصل مع هذا الفضاء الخارجي الموغل في الامتداد والاتساع، إن حياتها لم تختلف في كثير أو قليل عن الأدباء والرحالين ممن خاضوا نفس التجربة عبر الصحراء الإفريقية الحارة ممتلئين بروح المغامرة وبلذة الاكتشاف وبإرادة قوية لا تعرف التراجع والتردد مثلما هو الشأن بالنسبة للورانس العرب أمين الريحاني وآرثر رامبو. ولم تختلف إيزابيل إيبرهارد عن النهايات التي توصل إليها هؤلاء، فإن كانت إيزابيل انتهت بشكل مأساوي إثر فيضان عين الصفراء في21 أكتوبر1904 فإن لورانس العرب مات بشكل تراجيدي وهو يقود دراجته النارية هشمت عظامه وظل يصارع الموت لساعات طوال. وكذا الأمر نفسه بالنسبة إلى رفيقه اللبناني في السفر والترحال أمين الريحاني الذي لقي حتفه بعد شهر من حادث الدراجة الذي أصابه بجروح كبيرة في الجسد ليلفظ أنفاسه يوم 13 سبتمبر 1940، أي بعد أربع سنوات من رحيل لورانس العرب. أما آرثر رامبو الشاعر الرحيم على حد قول الكاتب بيار أرنور، فقد انتهى بشكل مبتذل كبائع للعبيد، تائها في الأدغال الأثيوبية بالقرن الإفريقي الشرقي عام 1937. نهايات واحدة لأبطال كِبار، اختلفت بهم الظروف وتباعدت بينهم الأصقاع والأمكنة، ربما السمة التي تُميز إيزابيل إيبرهارد من هؤلاء الكُتاب الثلاثة هو كونها امرأة مغامرة، وفضلا عن ذلك كاتبة جريئة وصحفية شجاعة كشفت عن المستور والمتخفي في حياتنا الاجتماعية المحافظة ولتجسيد حبها للاكتشاف ومتعة المغامرة تقول الكاتبة: "شعرت وأنا في مطلع العمر بأن الأرض موجودة وبأني أرغب في اكتشاف أقاصيها، لم أكن مهيّأة أبدا لأن أدور في لعبة الخيول الخشبية بكمامات حريرية للعيون ثم أضع مثالا لحياتي، بل مضيت طلبا للاكتشاف، أعرف جيدا أن طريقة الحياة هذه محفوفة بالمخاطر غير أن لحظة الخطر هي عينها لحظة الرجاء، على كل حال أنا شديدة القناعة بأن الواحد منا لا يسقط خارج دائرة نفسه، حين يتألم قلبي أشعر بأنه موجود، كم تساءلت مرات عديدة فوق ذنوب الترحال أين أمضي؟ وقد توصلت إلى القناعة بأن هؤلاء الناس وعند البدو، بأنني كنت أرجع إلى ينابيع الحياة وأحقق سفرا في أعماق الإنسانية..".
http://www.annasronline.com/