15‏/6‏/2016

12‏/6‏/2016

المشرية / الطاهر وياقوت.. قصة حب خالدة في الجزائر جمعت مسلمًا بيهودية





حمزة عتبي,الجزائر/

الجزائر (CNN)-- قد لا يخطر ببال الكثير من الجزائريين ممّن ولدوا بعد الاستقلال، أن يكون لليهود حكايات كثيرة مع المدن الجزائرية، فتاريخهم بمناطق الجنوب الغربي تاريخ طويل حافل بالأحداث، ومن بين هذه الحكايات والأحداث الكثيرة، واقعة تاريخية حدثت بمدينة المشرية (600 كلم عن العاصمة الجزائر) مع بداية القرن التاسع عشر كان بطلها شاب مسلم من المنطقة يدعى الطاهر وحسناء يهودية تدعى الياقوت، صاحبة العينين الزرقاوتين. 
 
ويروي سكان مدينة مشرية وهي مدينة بناها الاستعمار الفرنسي سنة 1864 في بوابة الصحراء الجزائرية، وتقع على سفوح الأطلس الصحراوي، قصة مثيرة عن علاقة حب جمعت مسلما بيهودية "فاتنة" -على حد وصف من عاصروها- وتحكي تفاصيل القصة صورا رائعة عن التعاطف الإنساني بغض النظر عن الهويات الدينية التي كانت موجودة في ذلك العصر، بينما لو رويت اليوم ستبدو نوعا ما خرافية.
 
وبالعودة إلى الواقعة التي لم يتم تأريخها من سكان المنطقة أو اليهود الذين عاشوا فيها، يتداول أهالي مدينة المشرية القصة بشكل شفوي وفي مجالس مغلقة وضيقة، ونظرا للشخصية القوية التي عُرفت بها الياقوت، يؤكد سكان المنطقة ممن تحدثت إليهم CNN بالعربية، أن مواقف الفتاة اليهودية كانت تعادل في مواقفها مواقف عشر رجال، في  دلالة واضحة على شدة تأثيرها في المجتمع المشراوي آنذاك.
 
وحسب الروايات، تنحدر الياقوت، واسمها الحقيقي (Cotuld sultan) من منطقة تافيلالت بالمغرب، ولدت سنة 1905 لأسرة يهوية معروفة في المجتمع الفيلالي وقتذاك، وترعرعت هناك إلى غاية 1920 أين قادتها زيارة إلى أختها "سلطانة" التي كانت تمتهن صناعة الحلويات بمدينة المشرية التي لم تكن، حينذاك، تفرق بين اليهود والمسلمين.
 
وعند بلوغ الياقوت سن العشرين، كانت قد أصبحت فتاة حسناء تسحر الرجال، كما وصفها كل من التقت بهم CNN بالعربية، غير أن ظهور الفتى "قدور الطاهر" الذي كان من أترابها، في حياتها، جعل الياقوت تُغير قرارها بعدم الرجوع إلى تافيلالت وتفضل الاستقرار والمكوث بالمدينة، وفق ما أكده لنا شقيق زوجها "حمو لخضر". 
 
وكانت شقيقة الياقوت تقطن ببيت وسط مدينة المشرية في حارة ما يسمى "حارة اليهود"، وكانت علاقتها تتسم بالاحترام مع عائلة الطاهر ذاك الشاب الذي خطف قلب أختها الياقوت من أول نظرة من أمام محل للحلاقة سنة1936، كما يرويها لنا شقيقه "حمو لخضر"، مما غيّر حياة الجميلة اليهودية التي فضلت البقاء بجوار المحبوب على الرجوع من حيث أتت.
 
ففي هذه البلدة الصغيرة وسط سكانها الذين يمتهن أغلبهم مهنة تربية المواشي والتجارة، نشأت وترعرعت قصة حب بين مسلم ويهودية في منطقة محافظة أهّلها موقعها الاستراتيجي الذي يربط شمال الجزائر بجنوبها أن تكون قبلة اليهود الوافدين من المغرب ليستقروا فيها، وطيبة سكان المنطقة هو ما ساعد اليهود على الاستقرار واشتغالهم في مهن التجارة والحرف والحدادة إلى غاية سنة 1967.
 
ولم يكن عامل الدين عائقا أمام الطاهر أو الياقوت من أجل الإبحار في بحور الحب في مجتمع كان منغلقًا بالعادات والأعراف ومحافظ على القيم الإسلامية، فرغم بعض الأحاديث الجانبية بين هذا وذاك حول هذه العلاقة إلا أن جميع سكان المنطقة تقبلوا علاقة عاطفية توجت سنة 1940 بزواج بعد مسيرة حب جمعت، في نظر من تحدثوا لشبكتنا، بـين "المتناقضين".
 
ويذكر سكان المنطقة ممن التقتهم CNN بالعربية، على غرار رئيس البلدية الأسبق عبد الله بوزرواطة أنه بعد سنة 1948 بدأ يهود المنطقة بمغادرة الجزائر باتجاه فرنسا وفئة قليلة منهم توجهت إلى إسرائيل وبقي ثلثة منهم إلى غاية سنة 1967 أين هاجرو بشكل جماعي طبقا لتلك الظروف السياسية التي كانت السائدة آنذاك.
 
وغادر أهل الياقوت مدينة المشرية باتجاهات مختلفة وبقيت وفية لزوجها "الطاهر"، رغم أنها لم تخلف معه أولاد، ما دفعهما إلى تربية ابن أخ زوجها والذي كان يدعى "مراد"، الذي تشير شهادات زملاءه، إلى أنه كان يلقى كل الرعاية والاهتمام من طرف مربيته الياقوت ويتجلى ذلك، حسب شهادات متطابقة، في أنها صرفت عليه مبالغ مالية من أجل أن يواصل دراسته في مدرسة الآباء البيض، إلى أن تخرج مهندسا.
 
ولم تتوقف الحكايات عن الياقوت ودورها عند هذا الحد، بل أجمع كل من تحدثنا إليهم، من أعيان المنطقة، إلى الدور الاجتماعي والإنساني الذي كانت تقوم به هذه الفتاة الحسناء من مساعدات للعائلات الفقيرة وتقديمها الهبات والصدقات لزملاء ابنها "مراد" في الدراسة ممن كانت حالتهم الاجتماعية مزرية للغاية حسبما أكده لنا عبد الله بوزرواطة الذي كان صديقا لابنها.
 
ومما ساعد الياقوت على ذلك هو اندماجها في المجتمع المحلي حيث كان أهل المنطقة، حسب روايات متطابقة جمعتها CNN بالعربية، لا يُقدمون على أي مناسبة عائلية، إلا وكانت الياقوت حاضرة ومشرفة على ما يُحضر للضيوف من مأكل بحكم أنها كانت تمتلك مخبرة بالمدينة ومعروف عنها قدرتها على إعداد أطباق متنوعة من الطعام.
 
ولم يختصر دور الياقوت في المجال الاجتماعي والإنساني، لكن تعداه إلى النضال السياسي والثوري غداة انطلاق الحرب التحريرية المظفرة في شهر نوفمبر من عام 1954، حيث يقول "عبد الله حموية" وهو مسؤول بخلية المالية بجبهة التحرير الوطني في هذا الشأن "الياقوت كانت تقدم الاشتراكات المالية للثورة الجزائرية والتي كنا نجمعها لدعم المجاهدين بالمؤونة والسلاح".
 
وأرجع "حموية" سبب ذلك لكون زوجها "الطاهر" كان من بين المناضلين في حزب الشعب الجزائري والذي انخرط بعدها في صفوف جبهة التحرير الوطني مما جعلها تكون بمثابة السند المعنوي والمادي لزوجها ودعمه ودعم نضاله من اجل تحقيق الاستقلال وإخراج المستعمر الخاشم من الجزائر.
 
وبعد استقلال الجزائر سنة 1962 عاشت الياقوت مع زوجها الطاهر في مدينة سعيدة (450 كلم عن العاصمة الجزائر) أين كانت تمتلك فندقا وسط المدينة، إلى أن تعرضت إلى مرض مزمن اطرحها الفراش ليتم نقلها إلى مستشفى مدينة المشرية بطلب منها تاركة وصية بدفنها بقرب زوجها بالمدينة التي قضت فيها أحلى أوقات عمرها.
 
وصرح شقيق زوجها "لخضر"، الذي اشرف على نقلها إلى المستشفى أن الياقوت توفيت بنفس المرض الذي توفي به زوجها الطاهر الذي وافته المنية قبلها بأربعة أشهر فقط، رافضة أثناء وجودها بالمستشفى أن تنطق بالشهادتين مفضلة أن تموت على دينها وهو ما كان لها حسب ما أكده لنا حسان الطيبي احد الشهود في تلك الواقعة.
 
ماتت الياقوت على دينها رافضة أن تموت على ملة زوجها، لكن هذا الأمر لم يمنع سكان وأهالي المنطقة من تشييع مثواها الأخير في مقبرة اليهود التي كانت تقع وسط المدينة بحضور جمع غفير من أعيان المنطقة بما فيهم رجال الدين وأئمة يتقدمهم الشيخ العريي تمنطيط الذي كان من رجال الإصلاح الديني في المنطقة، وفقا لعدة شهادات جمعتها شبكتنا.
 
هي قصة حب خرجت من رحم الجنوب الغربي الجزائري بين مسلم ويهودية نشأت في بيئة محافظة كان التعايش فيها ابرز سمات المجتمع المحلي الذي كان لا يفرق بين أفراده على اعتبار الدين، بل كان التفاضل يومها على أسس أخرى عدا الملة، مما يوحي أن المجتمع الجزائري في مدنه الجنوبية لازال الناس يحتفظون بقصص عن صور تتجاوز التعايش الإسلامي اليهودي إلى صور الحب والمعاشرة الزوجية والعلاقات العائلية.
 
وعن هذا، يعلق احد الباحثين الأكاديميين الذي ينحدر من المنطقة مصطفى راجعي قائلا "اليهود الجزائريون الذين عاشوا في الجنوب الجزائري فئة يهودية غير معروفة كثيرا مقارنة باليهود سكان المدن الشمالية، حيث كانت حياتهم وعاداتهم ولغتهم تتطابق تقريبا مع حياة المسلمين، كما بقي تاريخ يهود في الجنوب الجزائري تاريخا شفويا".
 
وأوضح راجعي الذي يعتمد شهادات شفوية من والده الذي ولد وعاش في المدينة سنوات الخمسينات، في حديثه لـ CNN بالعربية أن " الأطفال اليهود والمسلمين كانوا يدرسون معا في المدرسة الفرنسية و كان اليهود يرسلون أبناءهم إلى المدرسة القرآنية لتعلم القرآن وكانت لغتهم لا تختلف عن لغة المسلمين حيث كانوا يستعملون حتى العبارات الإسلامية في أحاديثهم".
 
ويتابع محدثنا كلامه قائلا "صور التعايش اليهودي الإسلامي في الجنوب الجزائري كثيرة ويحتفظ بها فقط الكبار الذين عايشوها وهي غير مسجلة في الكتب أو الصور لذا لا يعرفها شباب اليوم الذين لا يعرفون اليهود إلا من خلال الصور التي يقدمها الإعلام".